على الدرجة الاقتصادية

بعد قضاء إجازة راس السنة بأحدى الدول العربية وأثناء رحلة العودة بالمطار كانت أمامي أسرة من تلك الدولة واعتقدت أن جميعهم معي في نفس الطائرة ولنفس الأسباب .. واكتشفت أنهم يودعون الشخص الوحيد الذي رافقني بالرحلة وهو “والدهم” المعيل الوحيد لهم من خلال قسوة الغربة والفراق والذي تم توديعه بالبكاء ويا لها من لحظات حزينة شهدتها أمام عيني لأول مرة بالصدفة!
والصدفة هي أنّ والدهم كان يجلس بالكرسي الملاصق لي على الدرجة الاقتصادية، ومن هنا ابتدأ الفضول، وانطلقت بأسئلة كثيرة جاوب عليها بالكامل وهو في منتصف الخمسينات من عمره، حيث يحكي همومه باستحياء ويشرح أدق التفاصيل في أجوبته عن سكنه في غرفة مشتركة، عن مشواره لمحطة الحافلات في طقس شديد الحرارة في الصيف وشديد البرودة في الشتاء، وكيف يوفر كل ما يستطيع توفيره على حساب صحته ونفسه من أجل أسرته، لدرجة إذا أصيب بالمرض يوفر رسوم المستوصف على نفسه من أجل توفير المال لأبنائه ومستقبلهم .. وساعات عمله الشاقة 12ساعة يومياً، ويوم راحة فقط بالأسبوع وطعامه اليومي وجبة واحدة في اليوم وما تيسر أمامه ورغم كل ذلك بين كل جملة وكلمة يحمد الله ويشكره ويعبر عن امتنانه للبلد التي مقيم فيها دون رياء.
هل هذه الصدفة العابرة بلا فائدة؟
وما هو دورنا مع هؤلاء الناس وكيف نتعامل معهم؟
هم لا يريدون شيء أبداً سوى أن تعاملهم إنسانيتنا بكل رأفة فقط؛ هم لم يشتكوا من شيء أو على شيء، فلا داعي لتجريحهم والتنمر عليهم بلا سبب، وتحميلهم وزر لا دخل لهم فيه إذا أخطأ أحدهم!! إنهم مغتربين، فقراء، بسطاء، واختبار الله – عز وجل – في معاملتنا لهم
شيء غير عادي، واختم في كلام الباري تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ…﴾.
••
علي توينه – كاتب صحفي
X: @Alitowainah


