الخليج العربي في موجات الصراع

ما يحدث في المنطقة ليس أزمة عابرة، ولا تصعيداً يمكن احتواؤه، ولا حتى حرباً تنتظر نهايتها، ما يحدث هو إعادة تعريف لطبيعة الصراع نفسه، فنحن لا نعيش بين حرب وسلام؛ بل داخل نظام يُدار فيه التوتر كما تُدار المصالح، ويُضبط فيه التصعيد كما تُضبط الأسواق، هنا لا يُحسم الصراع، بل يُعاد إنتاجه، دورة بعد أخرى، موجة بعد موجة.
جذور هذا التحول لا تُقرأ من حدث، بل من مسار طويل لم يتوقف فيه التنافس على النفوذ يوماً، لكنه اليوم خرج من طور الإخفاء إلى طور الإدارة العلنية، لم يعد الهدف إخفاء الصراع، وإنما التحكم في إيقاعه: أن يرتفع دون أن ينفجر، وأن يستمر دون أن يُحسم، هذا ليس عجزاً عن الحسم، وإنما اختيار له، لأن الحسم مكلف، بينما الاستمرار قابل للإدارة.
الموجة الأولى برزت في يونيو 2025، ولم تكن مواجهة شاملة، وإنما مرحلة تشخيص كشفت حدود القوة وحدود الانكشاف، لم يكن الهدف كسر الخصم، بل فهم بنيته تحت الضغط: كيف يتماسك، كيف يتفكك، وأين تكمن نقاط المرونة لديه، كانت قراءة دقيقة لسلوك الصراع حين يُدفع إلى حافته، ولم تغيّر التوازن بقدر ما كشفت آلياته.
ثم جاءت الموجة الثانية في فبراير 2026، ولم تعد تشخيصاً، بل انتقالاً إلى ضغط مباشر أكثر وضوحاً، استهدافات نوعية، وردود محسوبة، ورفع لكلفة المواجهة، ومحاولة لإعادة تشكيل السلوك الاستراتيجي عبر إنهاك مستمر، هنا لم يعد السؤال: ماذا يستطيع الطرف أن يفعل، بل إلى متى يستطيع أن يستمر، هذا النوع من الضغط لا يُسقط الخصوم، وإنما يعيد صياغتهم وفق شروط جديدة.
وخلال هذه المرحلة، لم يعد التصعيد حدثاً استثنائياً، بل تحوّل إلى نمط مستمر، حيث استمرت الضربات المحدودة، والتوترات المحسوبة، وإدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لتتحول المواجهة من لحظة تصعيد إلى إيقاع دائم يُعاد إنتاجه بأدوات مختلفة.
وعندما يقترب الصراع من مضيق هرمز، فإنه يتجاوز الإقليم ليصبح اختباراً للنظام العالمي نفسه، هذا الممر ليس طريقاً للطاقة فقط، بل نقطة تحكم في توازن الأسواق، التهديد به، أو حتى الاقتراب من تعطيله، لا يُستخدم كأداة عسكرية فقط، وإنما كوسيلة لإعادة توزيع الضغط على مستوى دولي، ومع تصاعد الحساسية في الممرات البحرية، لم يعد تأثير الصراع محصوراً في الميدان، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث تُدار المخاطر كما تُدار المصالح.
وفي ذروة هذا الضغط، تظهر المفاوضات، لكنها لا تأتي لإنهاء الصراع، وإنما لتنظيمه، هي استراحة محسوبة، يُعاد فيها توزيع الأدوار، وتُقرأ فيها موازين القوة من جديد، دون أن يتغير جوهر المواجهة، ومع تكرار جولات التفاوض، لم تعد تُفهم كمسار مستقل، بل كجزء من بنية الصراع نفسها، كل تصعيد يسبق جولة، وكل تهدئة تمهّد لأخرى، في دورة تُدار بعناية، لا تُكسر بسهولة.
ثم يتبلور الشكل الأخطر: الحصار غير المعلن، لا حرب تُخاض، ولا سلام يُوقّع، وإنما ضغط مستمر، واستنزاف طويل، وتعطيل جزئي يُبقي الخصم تحت الإنهاك دون أن يدفعه إلى الانفجار، هذه ليست مرحلة بين مرحلتين، بل هي المرحلة نفسها، صراع بلا ضجيج، لكن بأثر أعمق من الحرب، ومع تطور الأدوات، لم يعد الحصار عسكرياً فقط، بل اقتصادياً وتقنياً وسيبرانياً في آن واحد، يُدار في الظل، لكنه يترك أثراً في العلن.
في هذا كله، لا يقف الخليج العربي خارج المعادلة، ولا حتى على أطرافها، بل في مركزها، فكل من الجغرافيا، والطاقة، والممرات الحيوية، تجعله جزءاً من آلية الصراع، لا مجرد متلقٍ لنتائجه، هنا لا يحمي الحياد، ولا تؤجل المسافة المواجهة، لأن الصراع لا يحتاج أن يصل إليك، أنت في مساره بالفعل.
المعادلة التي تتشكل اليوم لا تقوم على الانتصار، وإنما على الاستمرار، لا تبحث عن نهاية، وإنما عن توازن يمكن التحكم به، وهنا يكمن التحول الأخطر: أن يتحول الصراع من حدث يُدار عند وقوعه، إلى نظام يُدار قبل أن يحدث، ويُعاد إنتاجه كلما خفّ، فالخطر لم يعد في اندلاع الحرب، بل في أن تختفي الحاجة إليها، ويُدار الصراع دون إعلان.
الخليج اليوم أمام لحظة لا تسمح بالانتظار، ليس لأنه مهدد فقط، وإنما لأنه داخل نظام يتشكل، إما أن يقرأه مبكراً ويفرض موقعه فيه، أو يُعاد تعريفه داخله دون أن يملك قراره، ومع تسارع الأحداث، لم يعد كافياً التكيّف مع الموجات، بل أصبح المطلوب استباقها، وكسر منطقها قبل أن تتحول إلى قاعدة.
لأن المسألة لم تعد تهديداً يمكن احتواؤه، بل مساراً إن استقر لن يُكسر، ولأن أخطر ما في هذه المرحلة ليس قوة الصراع، بل قابليته لأن يُقبل.
الخليج اليوم لا يواجه خطراً عابراً، بل اختبار بقاء، إما أن يفرض نفسه كمنظومة تقرأ وتُبادر، أو يتحول إلى ساحة تُدار فيها القرارات.
ففي هذا المستوى من الصراع، لا تُقاس الخسارة بما يحدث، بل بما يُسمح له أن يستمر.
ومن لا يكسر المعادلة، سيعيش داخلها.
••
سند محمد الهاجري – كاتب

