حكمة السياسة الخارجية الكويتية… نهج ثابت منذ الاستقلال

منذ استقلال دولة الكويت في عهد الأمير الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح عام 1961م، اختارت الكويت لنفسها نهجاً سياسياً خارجياً يقوم على الحكمة والاعتدال واحترام القانون الدولي، وهو نهج أثبت صلابته عبر العقود في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، فقد أدركت الكويت مبكراً أنّ الاستقرار في منطقة الخليج لا يتحقق بالمواجهة أو التصعيد؛ بل عبر الدبلوماسية الحكيمة وبناء الجسور بين الدول وتعزيز الحوار.
لقد شكلت عضوية الكويت في مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه عام 1981م امتداداً طبيعياً لهذا النهج، حيث حرصت الكويت على تعزيز وحدة الصف الخليجي والعمل المشترك لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية، وفي الوقت ذاته كانت الكويت دائماً جزءاً أصيلاً من منظومة العمل العربي من خلال دورها الفاعل في جامعة الدول العربية، مدافعةً عن القضايا العربية ومساندةً للشعوب الشقيقة في مختلف الظروف.
وفي ظل التوترات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية التي شهدتها المنطقة في فترات مختلفة، حافظت الكويت على موقف متوازن يجمع بين الدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني، وبين الحرص على عدم الانجرار إلى دوامة الصراعات، فقد أدانت الكويت أي اعتداء يهدد أمن الخليج واستقراره، وفي الوقت ذاته ظلت تؤمن بأن الحوار واحترام سيادة الدول هو الطريق الأمثل لضمان الأمن الجماعي في المنطقة.
ويبرز هذا النهج بوضوح في الدور الذي لعبته الكويت خلال الأزمات الإقليمية، حيث تحولت إلى منصة للوساطة وتقريب وجهات النظر، مستندة إلى رصيدها الدبلوماسي الموثوق، وقد تجلى ذلك في مبادراتها السياسية والإنسانية التي أكسبتها احترام المجتمع الدولي، خصوصاً في عهد الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – رحمه الله – الذي عُرف عالمياً بلقب «قائد العمل الإنساني».
كما أن دعم الكويت للقضايا العربية والإسلامية ظل ركناً ثابتاً في سياستها الخارجية، سواءً في دعم القضية الفلسطينية أو في الوقوف إلى جانب الشعوب العربية في أزماتها الإنسانية والسياسية، ولم يكن هذا الدعم مجرد مواقف سياسية؛ بل ترجمته الكويت إلى مساعدات إنسانية وتنموية واسعة عبر مؤسساتها الرسمية والخيرية، لتؤكد أن سياستها الخارجية ترتكز على قيم التضامن والمسؤولية الأخلاقية.
واليوم، في عهد سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح – حفظه الله ورعاه – تستمر الكويت في السير على هذا النهج المتزن، محافظةً على مكانتها كصوت للحكمة والاعتدال في المنطقة، فالكويت تدرك أنّ أمن الخليج وحدة لا تتجزأ، وأن استقرار المنطقة يتطلب توازناً بين الحزم في حماية السيادة الوطنية، والحكمة في إدارة العلاقات الإقليمية.
إن تجربة السياسة الخارجية الكويتية منذ الاستقلال وحتى اليوم تقدم نموذجاً لدولة صغيرة في حجمها الجغرافي، لكنها كبيرة في دورها الدبلوماسي والإنساني، وقد أثبتت الكويت أنّ الحكمة والاعتدال يمكن أن يكونا قوة حقيقية في عالم مضطرب، وأن الالتزام بالمبادئ والقيم هو الطريق الأضمن للحفاظ على الأمن والاستقرار وخدمة القضايا العربية والإسلامية.
حفظ الله الكويت وأميرها وشعبها والمقيمين على أرضها من كل مكروه.
••
محمد ظافر العراده – أمين سر اتحاد الإعلام الإلكتروني الكويتي
X: @malaradah


